عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

361

اللباب في علوم الكتاب

ذلك يبطل التّكليف ، ويخرج الإنسان عن استحقاق الثّواب . والجواب من وجوه : أحدها : أنه - تبارك وتعالى - ما شاء منهم أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر وهو الذي أقدر الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان ، فخالق تلك القدرة لا شكّ أنه كان مريدا للكفر ، فإن كانت صالحة للإيمان ، لم يترجّح جانب الكفر على جانب الإيمان ، إلّا عند حصول داع يدعو إلى الإيمان ، وإلّا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر [ لا ] « 1 » لمرجّح . وهو محال ، ومجموع القدرة مع الدّاعي إلى الكفر ، يوجب الكفر ، فإذا كان خالق القدرة والدّاعي هو اللّه - تعالى - ، وثبت أنّ مجموعهما يوجب الكفر ، ثبت أنّ اللّه - تعالى - أراد الكفر من الكافر . وثانيها : أنّ اللّه - تبارك وتعالى - كان عالما بعدم الإيمان من الكافر ، ووجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان متضادّان ، ومع وجود أحد الضّدّين كان حصول الضدّ الثاني محالا ، ومع العلم بكونه محالا غير مراد ، فامتنع أن يقال : إنه - تعالى - يريد الإيمان من الكافر . وثالثها : هب أن الإيمان الاختياري أفضل وأنفع من الإيمان الحاصل بالجبر والقهر ، إلّا أنّه - تعالى - لما علم أنّ ذلك النّفع لا يحصل ألبتّة ، فقد كان يجب في رحمته وحكمته ، أن يخلق فيهم الإيمان على سبيل الإلجاء ؛ لأن هذا الإيمان وإن كان لا يوجب الثّواب العظيم ، فأقل ما فيه أن يخلّصه من العقاب العظيم ، وترك إيجاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلجاء ، يوجب وقوعه في أشدّ العذاب ، وذلك لا يليق بالرّحمة والإحسان ، كما إنّ الوالد إذا كان له ولد عزيز ، وكان الأب في غاية الشّفقة ، وكان الولد واقفا على طرف البحر ، فيقول له الوالد : غص في قعر هذا البحر ؛ لتستخرج اللآلىء العظيمة الرّفيعة الغالية ، وعلم الوالد قطعا أنّه إذا غاص في البحر ، هلك ، فهذا الأب وإن كان مشفقا عليه ، وجب عليه أن يمنعه من الغوض في قعر البحر ، ويقول له : اترك طلب اللآلىء ؛ فإنّك لا تجدها وتهلك ، والأولى لك أن تكتفي بالرّزق القليل مع السّلامة ، فأما أن يأمره بالغوص في قعر البحر مع تيقّن الهلاك ، فهذا يدلّ على عدم الرّحمة ؛ وكذا ههنا « 2 » . قوله : « وَما جَعَلْناكَ » « جعل » بمعنى : صيّر فالكاف مفعول أوّل ، و « حفيظا » هو الثّاني ، و « عليهم » متعلّق به ، قدّم للاهتمام أو للفواصل ، ومفعول « حفيظ » محذوف ، أي : « حفيظا عليهم أعمالهم » . قال أبو البقاء « 3 » : « هذا يؤيّد قول سيبويه « 4 » في إعمال فعيل » يعني : أنه مثال مبالغة ، وللنّاس في إعماله وإعمال فعل خلاف أثبته سيبويه ، ونفاه غيره .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 114 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 257 . ( 4 ) ينظر : الكتاب 2 / 255 .